بوابة الباحة

جديد المقالات
جديد الأخبار



bahah

جديد الصور

جديد الأخبار

جديد الفيديو

المتواجدون الآن


تغذيات RSS

المقالات
مقالات
اللوز المحتضر

اللوز المحتضر
03-01-1431 12:27 PM

اللوز المحتضر
بقلم/ المرضي الغامدي*


بخطى السنين الضائعة والماضي المغادر إلى بياته.. أطل شارد النظرات.. مُوجَعٌ كطفل صهرته الحمّى.. فهو برغم بياض ملابسه ونضارة ملامحه إلا أن عيناه تنهزم أمام الحِمَى.. أشجار اللوز.. وزرقة السماء..

أطل بعد أن فقدت ذاكرته جُل تفاصيل المكان.. آه.. الآن عادت له الذكرى بقوة.. كأنما هي صفحة مرآة ناصعة.. هنا.. وهناك.. وفي كل شبر من أرض اللوز.. من حصى الحِمَى المتناثرة.. من جذوع شجر اللوز الموغلة في شيخوختها.. فارتسمت أفراحها من جديد بكل تفصيلاتها رغم الشقاء المرير.. صبايا وصبية.. رجال ونساء.. مرّوا جميعهم من هنا ذات يوم.. مرّوا ومرّ معهم.. ثم غادروا جميعاً عدا هذا الحمى الباكي على أطلاله البائدة..

كل ما يذكره.. هو أن الناس كانت تمازحه.. تربت على كتفه.. تدغدغ شعر رأسه المتجعد..
كان مشدوه الملامح.. ضائع.. ثقيل الخطى.. رغم نضارة وجهه إلا أن خطوط الزمن ترتسم حول عينيه.. وبداية تجاعيد وندوب تبعث أخبار سنين لا تخلو من مرارات مكبوتة..!

واقفا على أقدام منهكة.. يسترجع بياض الحِمَى المائل.. أشجارَ اللوز عندما تنشر.. سحابةً بيضاء من الزهور.. تحاكى رواء الأرض.. وصفو السماء.. جاء كأنما يود أن ينتزع الماضي من عهده القديم..

خرج فجأة من بين الأشجار.. تسبقه خشخشة خطوه المتلاحق.. توقف.. عيناه وعينا الغريب تلاقتا في دهشة دون حديث.. دون همس.. فقط نظرات صامتة لكنها معبرة إلى حد التوحد.. ثياب بيضاء ناصعة وأخرى تحكي زمناً مفقوداً.. تحكي شيخوخة اللوز وجدب الأرض والسؤال الحاضر..
\"من..؟\" سؤال منقوش على شفاه بيضاء.. على وجه متجهم صامت كالموت.. الوجه الباقي.. الحاضر هو موت كل هذه السنين.. الحاضر هو سقوط كل ورقة.. كل غصن.. الحاضر يباس الأرض.. وهروب المطر.. ثوب أغبر.. معطف أسود ضائع اللون مهتريء.. الأطراف كفوف كجذوع الأشجار الشائخة..
أنت منهم.. القتلة الباكين على قتلاهم.. هز رأسه ناظراً إلى الغريب المشدوه إلى حد الجمود.
- أبحث عن \"حمى المرضي\" غاصاً متلعثم الصوت..
جدي ترك لي أراضي.. أشجار.. لوز.. ترك لي...
قاطعه:
- لوز.. لوز..
أمامك المقابر.. ابحث عن بقايا اللوز المدفون تحت أقدامك.. كل هذه السنين..
أعرف حتى عدد الحصى.. أحصي تاريخ جميع الأيام الماطرة والسنين البائسة...

كان الغريب يقطع الحمى سائراً في عتمة الغروب.. يسمع نحيب أشجار اللوز.. تهزها الرياح.. فيناغيها بكاء الحصى المتناثرة..
سار إلى حيث ترك وراءه مقابر جماعية لبقايا أشجار محتضرة.. بينما كانت قدمه تصطك في \"شاهد\" قبر محفور قرب شجرا للوز.. قبر لا تزال تربته طرية.. تمعن في زواياه الأربع وأرضيته المستوية.. غادره.. عاد من حيث أتى.. ترك الماضي في بياته المستكين لشخص لا يزال فيه بقايا زمن مندثر..

قريبا ستسقط آخر ورقه يابسة.. ستحملها الريح إلى مكان سحيق.. لكن \"الشاهد\" الباقي بأرض الحمى.. من سيحمله هو إلى قبره المحفور بأرض اللوز المحتضر..؟!




*أحد كتاب باحة الأدب في منتديات بوابة الباحة.

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 308


خدمات المحتوى


المرضي الغامدي
تقييم
3.16/10 (31 صوت)

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

المقالات المنشورة في بوابة الباحة تعبر عن رأي صاحبها فقط