بوابة الباحة

جديد المقالات
جديد الأخبار



جديد الصور

جديد الأخبار

المتواجدون الآن


تغذيات RSS

المقالات
مقالات
المشهد الثقافي في السودان (1)

المشهد الثقافي في السودان (1)
02-15-1431 05:58 AM

المشهد الثقافي في السودان :
إصدار أول صحيفة متخصصة في القصة القصيرة


د.هاشم ميرغني*
لا بد من مهلة لكي يصير الدم حليبا نقيا
\"جلال الدين الرومي\"
في أواخر العام 1959م تفتقت قريحة الرائد القصصي السوداني الكبير عثمان علي نورـ صاحب أول مجموعة قصصية سودانية مطبوعة \"غادة القرية \" الصادرة سنة 1954 ـ عن فكرة إصدار أول مجلة متخصصة للقصة القصيرة في العالم العربي ، وفي يناير 1960 صدر العدد الأول من مجلة القصة عن مطبعة \"الرأي العام\" ، وتصدرت العدد كلمة عثمان نور الرصينة التي سنوردها كاملة في مقال قادم للكشف عن مدي استنارتها وحداثتها .
كانت المجلة الوليدة فتحا في تاريخ السرد في السودان : أشعلت نار القصة القصيرة في بقاع نائية من السودان ، فتحت بابها واسعا لاحتضان كافة التيارات الأدبية ، أسست للنقد السردي الرصين على يد نقاد أمثال د.إحسان عباس ، د.عبد المجيد عابدين ، د.عزالدين الأمين ، د.محمد زغلول سلام .. ، وعرَّفت بأعلام القصة الغربية شرقا وغربا ، ورعت بدأب وحزم المواهب الناشئة في كتابة القصة ، والتف حولها رهط كبير من السرديين والنقاد.
لكن سرعان ما تآمرت عوامل عديدة لإطفاء الشعلة الوليدة في منتصف عامها الثاني 1961، لعل من أبرز هذه العوامل : ضعف التمويل ، وقصر نظر النظام الحاكم حينها الذي قال له على لسان وزير استعلاماته طلعت فريد \" نحن ما مستعدين ندي المجلة مليم ..غلبتك وقفها\"، وكان موقفه يفصح بوضوح عن مواقف أنظمة عديدة تتحسس سلاحها عندما يتعلق الأمر بمسألة الثقافة ، وتتحسس موضع أقدامها أيضا خوفا من مما يمكن أن يمارسه الوعي الثقافي في فتح دروب المستقبل الموصدة.. وفي النهاية :كان مصير المجلة هو مصير الكثير من المشاريع الثقافية النيرة التي تتضافر أيادٍ عديدة لختقها في أمة تحترف \"اغتيال الخيول النبيلة \" بتعبير الشاعر نزار قباني في سياق مشابه.
وقد وصف عثمان علي نور شبح إيقاف المجلات الثقافية أو توقفها في حوار أجريته معه ـ برفقة الشاعر محجوب كبلو ونشر بمجلة \"كتابات سودانية\" ـ بأنه :\"كارثة ثقافية لا بد من تداركها \" ، وظل يحلم رحمه الله حتى رحيله قبل أعوام قليلة بإعادة إصدار المجلة .
بعد أكثر من نصف قرن ، تحديدا بعد أكثر من ثمانية وخمسين عاما بالتمام والكمال ، تصدر صحيفة \" القصة السودانية\" برعاية اليونسكو ونادي القصة السوداني لتسد الفراغ الذي خلفه وأد مجلة القصة . تصدر وقد جرت مياه كثيرة تحت الجسر منذ عهد الستينيات البعيد ، فقد بزغت عشرات الأسماء القصصية ، واندلعت نار حساسية جديدة ومختلفة ، وانفتحت الكتابة على فتوحات السرد شرقا وغربا من اليابان والصين وحتى أمريكا اللاتينية ، ودخل النص السردي في حوار حاد مع الخطاب النقدي الذي بدا وكأنه في حاجة إلى شحذ أدواته باستمرار ليتماهي مع كشوفات السرد الجديدة ، بدلا عن الحديث المتكرر عن الحبكة وبناء الشخصيات والزمان والمكان ..
صدور صحيفة متخصصة في القصة القصيرة في السودان في أكتوبر 2009بقدر ما هو مبهج ، إلا أنه يلقي بأعباء ثقيلة على القائمين بأمرها(نادي القصة السوداني ورهط من النقاد والقاصين ): إذ من يستطيع أن يلملم شظايا هذه السرودات التي اندلعت في كل مكان؟ كيف يمكن أن تكون الصحيفة منبرا حقيقيا لهذه الأجيال التي توالت على كتابة القصة منذ أوائل الستينيات إلى الآن ؟ وكيف تحمي نفسها من شبح التوقف الذي يترصدنا في كل خطوة؟ كيف تمد يدها لتمسك بالمواهب الجديدة التي طلعت كالشموس من مسابقة الطيب صالح للإبداع الروائي عبر ست دورات من عمر المسابقة ؟ ومسابقة الطيب صالح للقصة القصيرة ؟ وإبداعات أمسيات الخميس بنادي القصة ؟ وكيف تنفض رماد الإهمال عن جمر الإبداع القصصي السوداني الممتد عبر عقود ، أعني أعمال : عبد الله عجيمي ، حسن أبو كدوك ، الزبير علي ، خوجلي شكر الله ، سامي يوسف، محمد خلف الله ، .... كيف تؤسس لنقد سردي متقدم بدلا من التسكع في أروقة النص بأدوات عفى عليها الزمن ؟كيف تلملم تراثنا الشفهي الضخم من القص المسرود بمئات اللغات واللهجات ؟وكيف تلامس ـ الصحيفة ـ سقف أحلامنا المنتهكة بضراوة واقع لا يحتمل ؟ ..وكيف .. وكيف ؟
دعونا نحلم ـ معكم ـ أن يستمر هذا المشروع الثقافي ،وأن يجد الدعم المعنوي والمادي من الجميع، حتى لاينضم إلى جملة المشاريع الثقافية الكبرى المجهضة في هذا الوطن \"السعيد\" .


*باحث وأكاديمي

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 126


خدمات المحتوى


د.هاشم ميرغني
تقييم
9.01/10 (25 صوت)

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

جميع الحقوق محفوظة لـ(بوابة الباحة)2010