• ×

12:35 مساءً , السبت 7 ربيع الأول 1439 / 25 نوفمبر 2017

التاريخ 12-27-1438 12:31 مساءً
لا
د محمد خيري ال مرشد
لا

"لا"، هذه الكلمة التي لا يحب معظمنا سماعها تكون غاية في الأهمية لاستخدامها أحيانا؛ لأهمية ذلك على المستوى النفسي والمعنوي والتربوي أيضا، فلا بد من أن نقولها للكبار حتى لا يبنوا دائما أحلاما على قاعدة قبول وايجاب لامحدودة، وأن يضعوا كل الاحتمالات في الاجابات التي تنتظرهم. أيضا تقال للصغار كوسيلة تربية وتعليم، يتعلم الطفل انه لا يمكن ان يحصل على كل مبتغاه وتكون مطالبه ملباة دائما، بما لذلك من إيجابية تربوية ونفسية في تشكيل شخصيته. فالقاعدة التربوية تقول (أعط الطفل كل ما يحتاجه ولا تعطه كل ما يطلبه)، فيجب أن نقول له " لا " لكل ما نراه محاولة تكريس عادة سيئة أو طبع يضر به هو قبل أي أحد أخر، فتلبية طلبات الاطفال التي لا تنتهي تضر بسلوكياتهم، ناهيك أنهم لن يتمتعوا بما يحصلون عليه، لأنه دائما في متناول اليد، بالإضافة لتعليمه احترام الاشياء وتقييمها وأيضا تقييم واحترام عطاء الاخرين.. الابتعاد عن المباهاة والتسابق مع الاخرين باستعراض الامكانيات المادية للآخرين عن طريق تقديم ما لا يحتاجه الأطفال، فالأجدر أن نتباهى بتعليم أطفالنا عادات جميلة منها ان لا يكون الطفل أنانيا عنيدا يتحمل مسؤولياته لاحقا، يبني شخصية قوية متزنة تعرف قيمة الأشياء وتبني إطارا معقولا للتعامل مع الاخرين يساعد على بناء توازن نفسي ومجتمعي معهم بشكل أمتن وأنفع وأصدق.

يمكن أن يكون هناك عدم تعاون من قبل أحد الوالدين، فمثلا أن يقول أحدهما "لا" للطفل، بينما يخرق الاخر القاعدة ويلبى الطلب، هنا تتضاعف المشكلة وتتعاظم خطورتها في تعليم الطفل التدليس وتعليمه الكذب وغيره من العادات المرافقة، وفي ذلك إلحاق ضرر في علاقة الطفل بوالديه، وخاصة من قال للطفل "لا" بأن يلتف عليه دائما ويخبئ عنه ما يجب أن يتبادله معه من معلومات ومشورة وغيره، فتفسد هذه العلاقة وتصبح علاقة غش وكذب وتدليس وتنتهي بعلاقات غير سليمة مع اقرانه والمجتمع لاحقا..

وبالعودة إلى الكبار فهذه ال " لا " مهمة فيجب أن يتوقعوا حدودا بلا وهذه ال "لا" يجب أن تكون في مكانها وليست لنقول "لا" متخلين بذلك عن مسؤولياتنا والتزاماتنا الاجتماعية؛ انما تقال فعلا عندما لا نستطيع تلبية الطلب (فانا أستطيع تلبية الطلب بما لدي وليس كما تحب). أيضا عندما يكون الطلب غير صحيح عندها تكون اللا واجبة لتضع حدا للاستغلال، على سبيل المثال قد يدخل مكتبك مديرك باستمرار ويحملك من المهام الاضافية التي لا تستطيع تلبيتها وتنفيذها، فتحرج من أن تقول لا أو تخاف من التصادم معه، وهذا يدخلك في المشكل الحقيقي ، لأنك لن تستطيع دائما تحقيق مطالبه ، فلابد من أن تقول لا ، وأنك لا تستطيع لأسباب قد تذكر بعضها بان مثلا لا وقت لديك وعليك معالجة أمور هي من واجبك أولا..! قل "لا " لما يخالف اعتقادك ويخالف معتقدك ويخالف القانون ويخالف استطاعتك.

أن تعلم قول "لا" هو عبارة عن تعلم حالة دفاعية مهمة ضد من يعتقدون بأننا ساحة مفتوحة يدخلها من يشاء متى يشاء، وأننا لا نملك حواجز تحافظ على كياننا، وما نعتقد أنه صحيح أيضا. البعض يخطئ التقدير بأن الانسان اللطيف هو انسان مستباح دائما، وكما يقال (حائطه واطي) يستطيع أي أحد اعتلاءه، فمن هذه الزاوية يجب القول "لا" لهؤلاء لكي يعرفوا حدود الاخر. وهي أيضا ضرورة نفسية تمس الشخص ذاته لذلك يجب التحصن بلا أيضا كسلاح وكحد.. من هنا يحافظ الانسان على حدود شخصيته من تسلق شخصيات الآخرين إلى منطقة نفوذه النفسية والاجتماعية وغيرها، لكي يحافظ على كيان سوي مستقل لا ينقص باحتلال الاخرين من مساحته جزئيا أو كليا، فتطمس بذلك ذاته أيضا جزئيا أو كليا وهو غاية في الأهمية للحفاظ على نفسية متزنة ومتوازنة دون ضغوط الآخرين المستمرة.. هذا يرهق الانسان حيث يضعه دائما في دائرة الحرج والضغط.. بالإضافة إلى أن الانسان يبني مصداقية حقيقية إذا ما تصرف بنعم أحيانا وأحيانا بلا، حسب ما يستطيع وحسب قدراته المتاحة، وأن الوعود بنعم دائما قد تخل بهذه المصداقية سلبا؛ بل وتؤثر على انسيابية حياة الناس الطبيعية بوعود كاذبة وآمال وهمية تبنى عليها خطط لا تنفذ وهنا يحصل إشكال عدم المصداقية..

فمن المهم أن تضع حدود تحمي مملكتك، وأحد هذه الحدود أن تقول "لا" عند حاجتها، فهي أحد مفاتيح حماية حديقتك الأمامية من الدخول المستباح، فتتحكم بدخول الاخرين في فضاءك. فكلمة "لا" ليست بهذه السوداوية أو القساوة واعتقد بأن نقول نعم دائما هي أقسى منها عندما لا نستطيع تنفيذ وعودنا، أو أنها ترهقنا، فيتسبب ذلك بضغوط نفسيه وخلافات اجتماعية. قل لا .. قلها بثقة وكياسة قلها بأسلوب لين جميل وليس عليك واجبا التوضيح والتبرير فقناعات الناس مختلفة واحتياجاتهم متنوعة. لا تقول نعم وفي داخلك لست راض. هذه ليست دعوة بان تقول لا دائما؛ بل في مواطنها المستحقة لأن توزيعها بغير مواضعها هو بمثابة تفريط لما هو مهم، قد تؤدي إلى نتائج عكسية بعدم الرضا والاحترام. فمن المهم أن نحرر أنفسنا من توقعات فحياتنا تختلف عن حياتهم وعليهم احترام هذا الاختلاف كما عليهم أن يعلموا أنك لست دائما على الطاولة، وفي متناول اليد ولأي غرض، فنحن لا نستطيع حمل عبئ الاخرين بدل عنهم..!


جميل احترامي..

تعليقات 0 إهداءات 0 زيارات 115
Powered by Dimofinf cms Version 4.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Ltd.
التصميم بواسطة ALTALEDI NET