|
أمراض القلوب
03-01-1431 02:08 PM
أمراض القلوب
مقدمة :
القلب إما أن يكون سليمًا طاهرًا بريئًا من العلل و الأمراض , وهي الشبهات والشهوات , وعندئذٍ يكون الإنسان متمتعًا بعمق الصحة النفسية القلبية , والقلب السليم الطاهر هو القلب المؤمن بالله الذاكر له , المخبت الخاضع المطمئن المستسلم لأحكامه وشرائعه , الراضي بقضائه وقدره الواثق بفضله ورحمته , والبريء من خلائق السوء وإرادات المعصية ونيات الإثم والفسوق والعصيان قال الله تعالى عن إبراهيم عليه السلام:﴿ وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ / يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ / إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾ [ الشعراء , الآيات 87 : 89 ] وقال تعالى : ﴿ وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ / إِذْ جَاء رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ / إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ / أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ / فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ [ الصافات , الآيات 83 : 87 ] .
وإما أن يكون القلب سقيمًا لما يتعرض له من العلل والأمراض , فتهبط درجات الصحة النفسية القلبية لديه إلى مستويات متفاوتة حسب تلك العلل والأمراض , و متى تكاثرت على القلب أدناس الإثم و العدوان وإرادات السوء والشر , أصابته الأمراض الخطيرة وأشدها النفاق والكفر بالله تعالى .
ودوام العلل المرضية تميت فيه حسن الخير , فيقسو ويتصلب حتى يكون كالحجارة أو أشد قسوة لا يتذكر مهما ذكر بالخير ومن باب أولى ألا يستجيب له , فينصرف عن آخرته و ما يقرب إلى ربه إلى دنياه وشهواته العاجلة , بل يقف أحيانًا عدوًا للحق ويحمله , وهذا هو القلب الميت . إلا أنه من رحمة الله تعالى أن يسّر للقلوب المريضة علاجًا تشفى به إن هي أخذته بحقه .
أسباب أمراض القلوب :
مهما تعددت الأسباب فإنها في الجملة لا تخرج عن سببين :
الأول منها : أسباب تعود إلى الشبهات منها :
1) الشك في قدرة الله على معرفة ما في القلوب كما قال تعالى : ﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَن لَّن يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ ﴾ [ محمد , الآية : 29 ] .
2) الشك في قدرة الله على تحويل المستحيلات , كما قال تعالى : ﴿ إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ غَرَّ هَؤُلاء دِينُهُمْ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ فَإِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ [ الأنفال , الآية : 49 ]
والسبب الثاني : يعود إلى الشهوات , ومنها :
1) الرغبة والميل إلى النساء المحرمات عليه , كما قال تعالى : ﴿ يَا نِسَاء النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاء إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا ﴾ [ الأحزاب , الآية : 32 ] .
2) ومنها الاستغراق في متاع الحياة الدنيا وزينتها كما قال تعالى : ﴿ اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مَّعْرِضُونَ / مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مَّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ / لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّواْ النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ ﴾ [ الأنبياء , الآيات 1 :3 ] .
3) ومنها طول الأمد في النعمة والرفاهية المادية وارتكاب المعاصي , كما قال تعالى : ﴿ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ ﴾ [ الحديد , الآية : 16] .
أمراض القلوب :
وبهذه الأسباب وغيرها تمرض القلوب أمراضًا عدة بعضها فوق بعض وهي :
1) مرض زيغ وصيغه : وهو ميله عن طريق الاستقامة كما قال تعالى : ﴿ لَقَد تَّابَ الله عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ ﴾ [ التوبة , الآية : 117 ] , وكما قال تعالى : ﴿ إِن تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ ﴾ [ التحريم , الآية : 4].
2) مرض غلظ القلب : وهو القلب الخشن الذي لا رقّة فيه كما قال تعالى : ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ﴾ [ آل عمران , الآية 159] .
3) مرض الغفلة : وهو القلب الغافل عن معرفة الحقائق والإفادة منها كما قال تعالى : ﴿ وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا ﴾ [ الكهف , الآية : 28 ] .
4) مرض الران : وهو كالصدأ يعلو القلب , فلا يبصر ولايسمع كما قال تعالى : ﴿ كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ [ المطففين , الآية : 14] .
5) مرض الغُلف والأكنة والغمر : وهو القلب الذي غُلِّف بغلاف سميك يحجبه عن رؤية الحق وقبوله , كما قال تعالى : ﴿ بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِّنْ هَذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِن دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ ﴾ [ المؤمنون , الآية :63 ]
6) مرض قساوة القلب : وهو القلب المتصلب الذي لا لين فيه كما قال تعالى : ﴿ ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاء وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللّهِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾ [ البقرة , الآية : 74 ] وقال تعالى : ﴿ فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾ [ الزمر, الآية 22 ] .
7) مرض ختم القلب وطبعه : وهو القلب المغلق الذي لا ينفد إليه شيء من الخير , كما قال تعالى : ﴿ خَتَمَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ ﴾ [ البقرة , الآية : 7 ] وقال تعالى : ﴿ تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَآئِهَا وَلَقَدْ جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ مِن قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللّهُ عَلَىَ قُلُوبِ الْكَافِرِينَ ﴾ [ الأعراف , الآية : 101 ]
علامات أمراض القلوب :
هناك علامات تدل على أمراض القلوب , ظاهرة لأهل الإيمان , حتى يأخذوا حذرهم منها ومن أهلها , ويسعوا جادين في دوائها , ومنها :
1) لحن القول : وهو التواضع على قول وإرادة غيره كما قال تعالى:﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَن لَّن يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ / وَلَوْ نَشَاء لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ ﴾ [ محمد , الآيات 30,29 ]
2) حب النكاية بالمؤمنين كما قال تعالى : ﴿ لَئِن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا ﴾ [ الأحزاب , الآية : 60 ]
3) المسارعة في الكافرين والميل إليهم عند الشدائد , كما قال الله تعالى : ﴿ فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ فَعَسَى اللّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُواْ عَلَى مَا أَسَرُّواْ فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ ﴾ [ المائدة , الآية : 52 ]
4) السخرية من آيات الله تعالى , كما قال جل شأنه : ﴿ عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ/ وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَاء وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ ﴾ [ المدثر, الآية : 30/ 31 ]
5) الحميّة الجاهلية , كما قال تعالى : ﴿ إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا ﴾ [ الفتح , الآية : 26 ]
6) الجبن والخوف من مقاتلة الكافرين , كما قال تعالى : ﴿ وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُّحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ ﴾ [ محمد , الآية : 20 ]
7) نقض العهود والمواثيق , وتحريف النصوص الدينية , كما قال الله تعالى : ﴿ فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىَ خَآئِنَةٍ مِّنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمُ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [ المائدة , الآية : 13 ]
8) اتباع المتشابه من النصوص الدينية وضربها بعضها ببعض كما قال تعالى : ﴿ هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ ﴾ [ آل عمران , الآية : 7 ]
9) ما يظهر على الجوارح من فساد , كما جاء في حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه _ يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : \" . . . . ألا وإن في الجسد مضغة : إذا صلحت صلح الجسد كله , وإذا فسدت فسد الجسد كله , ألا وهي القلب \" (1)
دواء القلوب :
كما أن القلوب تمرض , فكذلك تشفى , فلكل داء من أدوائها دواء يستطب به , فمن أخذه بحقه متوكلاً على الله مستيقنًا بقدرته تعالى على الشفاء صابراً عافاه الله منه . فعن حذيفة رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : \" تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودًا عودًا , فأي قلب أشربها نُكِتَ فيه نكتة سوداء , وأي قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء , حتى تصير على قلبين , أبيض مثل الصفا , فلا تضره فتنة ما دامت السموات والأرض , والآخر أسود مُرْبادًّا كالكوز مجخيًا , لا يعرف معروفًا ولاينكر منكرًا , إلا ما أشرب هواه \" (2 )
وأدوية أمراض القلوب كثيرة وأهمها :
• اليقين التام بأن الله تعالى يعلم ما في القلوب , وما يلج إليها , وما يصدر عنها , وقدرته تعالى على الحيلولة بين المرء وقلبه , كما قال تعالى : ﴿ تُرْجِي مَن تَشَاء مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَن تَشَاء وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ ذَلِكَ أَدْنَى أَن تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا ﴾ [ الحزاب ,الآية : 51] وقال تعالى ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُون﴾َ [ الأنفال , الآية : 24] فلا يكون في القلب شيء ولا يصدر منه , وهذا يستدعي الحرص التام على سلامة القلوب , وطهارتها قبل مرضها , والسعي الحثيث على صحتها بعد مرضها , بالوسائل الشرعية .
• العلم بأن مرض القلب وشفاؤه مقدور للعبد وأوله بيده , كما قال تعالى : ﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَد تَّعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴾ [ الصف , الآية : 5] وقال تعالى : ﴿ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللّهُ مَرَضا ً﴾ [ البقرة , الآية : 10] وفي المقابل يقول تعالى : ﴿ وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ ﴾ [ محمد , الآية : 17] وكل ذلك إرادة الله تعالى .
• العلم النافع المبدد للشبهات , كما قال تعالى : ﴿ أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ [ الأنعام و الآية 122]
• الإيمان بالله تعالى كما قال سبحانه : ﴿ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ [ التغابن , الآية : 11] وهذا يستلزم الإيمان بشرائع الدين كلها , وأولها وأهمها التوبة النصوح , التي تفرغ القلب من أمراضه وتبعثه من موته .
• معرفة مكائد الشيطان والحذر من اتباع خطواته والمجاهدة في دفع وساوسه وسد مداخله على القلب , وذلك ابللجئ إلى الله تعالى والاستعاذة به جل وعلا منه , وطلب النصرة على هذا العدو الذي لا يفتر إذ أن كل خطيئة هو سسببها , كماقال تعالى : ﴿ إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [ فاطر, الآية : 6 ] وكما حكى الله تعالى قول الشيطان لعنه الله : ﴿ قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ / ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ ﴾ [ الأعراف , الآيات 16/17] وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : \" إذا نودي بالصلاة أدبر , فإذا قضى أقبل حتى يخطر بين الإنسان وقلبه فيقمل : اذكر كذا وكذا حتى لا يدري أثلاثًا صلى أم أربعًا , فإذا لم يدر ثلاثًا صلى أو أربعًا سجد سجدتي السهو \" (3) وعن سليمان بن صرد رضي الله عنه قال كنت جالسًا مع النبي صلى الله عليه وسلم , ورجلان يستبّان فأحدهما احمرّ وجهه وانتفخت أوداجه , فقال النبي صلى الله عليه وسلم : \" لا أعلم كلمة لو قالها ذهب عنه ما يجد لو قال أعوذ بالله من الشيطان ذهب عنه ما يجد , فقالوا له : إن النبي صلى الله عليه وسلم قال : تعوذ بالله من الشيطان , فقال : وهل بي جنون \" (4) ومكائد الشيطان كثيرة جدا , يطول حصرها , وقد أطال الحديث عنها ابن القيم رحمه الله في كتابه إغاثة اللهفان من مصائب الشيطان .
• الدعاء الصادق , والتضرع الحثيث إلى الله تعالى , بإزالة ما في القلوب من أمراض , ودوام معافاتها كما قال تعالى : ﴿ وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ ﴾ [ الحشر, الآية : 10] وقوله تعالى : ﴿ رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ ﴾ [ آل عمران ,الآية : 8 ] والأحاديث في هذا كثيرة منها : ما روى عن عائشة رضي الله عنها : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول : \" اللهم إني أعوذ بك من الكسل والهرم والمأثم والمغرم , ومن فتنة القبر , وعذاب القبر , ومن فتنة النار وعذاب النار ومن شر فتنة الغنى وأعوذ بك من فتنة الفقر وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال , اللهمّ اغسل عني خطايايَ بالماء والثلج والبرد و نقِّ قلبي من الخطايا كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس وباعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب \" (5) ........ وعن أم سلمة رضي الله عنها قالت : كان أكثر دعائه صلى الله عليه وسلم : \" يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك \" قلت يا رسول الله ما أكثر دعائك : \" يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك \" ؟ \" قال : \" يا أم سلمة , إنه ليس آدميّ إلا وقلبه بين أصبعين من أصابع الله , فمن شاء أقام , ومن شاء أزاغ , أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء \" .(6)
• إدامة ذكر الله تعالى بقراءة القرآن الكريم والأذكار الصحيحة النبوية , كما قال تعالى : ﴿ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ﴾ [الرعد , الآية 28] وقال تعالى : ﴿ وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَارًا ﴾ [ الإسراء , الآية : 82]
• التفكر والتأمل والتدبر في ملكوت الله تعالى , مما خلق ي الأرض والسماء , كما قال تعالى ﴿ أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا ﴾ [ الحـج , الآية :46 ] .
• تعظيم شعائر الله تعالى , لقوله جل وعلا : ﴿ ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَاللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ ﴾ [الحـج , الآية : 32 ] .
• و من الأدوية , أدوية طبيعية , مثل إزالة مرض حزن القلب وهمه بإزالة المادة التي تسببت فيه .
الإحسان إلى القلب :
إذا عرفنا ما سبق , فإن الإحسان إلى القلب على وجه الاختصار يكون بتوفير ما يحتاج إليه مما يحفظ عليه قوته وهو الإيمان وإرادات الطاعات , وحمايته عن المؤذي الضار , وذلك باجتناب الآثام والمعاصي وأنواع المخالفات , واستفراغه من كل مادة فاسدة تعرض له , وذلك بالتوبة النصوح , واستغفار غافر الخطيئات ...(7)
الهوامش
1) صحيح البخاري (1 / 28) (52)
2) صحيح مسلم (1 /128) (144)
3) صحيح البخاري (3 /1196) (3111)
4) صحيح البخاري (3 / 1195) (3108)
5) صحيح البخاري (4 / 2341 ) (6007)
6) سنن الترمذي (5 / 238 ) (3523 ) وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (3/171) (2792)
7) انظر إغاثة اللهفان لابن القيم (1/17) .
كتبه
الفقير إلى عفو ربه
أحمد غرم الغامدي
|
خدمات المحتوى
|
أحمد غرم الغامدي
تقييم
|